بالتكنولوجيا تبدأ العلاقات

1 6

تسللت مسرعة إلى المصعد، وكأن أحداً يزاحمني تماما كما هي حياتنا، كنت أريد أن أصل فورا إلى شقتي في الطابق التاسع والثلاثين، لمَ العجلة؟ لا أعلم، كلنا نريد أن ننجز مهامنا بسرعة، نتبع سرعة الزمن لاهثين.
لم أشعر أبدا بوجود أحد غيري في المصعد، باغتني صوته، وباغتني سؤاله أكثر، سألني عن هاتفي المحمول الجديد، كنت أحمله في يدي، وقد اقتنى لنفسه هاتفا مماثل، وصل إلى طابقه قبلي، لم يودعني جاري بكلمة، لم يتمنَ لي يوما سعيدا، فما جمعنا هو الإصدار الجديد من الهاتف النقال، وليس الجوار، غاب جاري، سريعا أيضاً.
حين وصلت، وقبل أن ألتقط مفتاح الشقة من حقيبتي، تدفقت الرسائل من جديد في مجرى هاتفي وكأن دقيقة من انقطاع الإنترنت في المصعد دهر، تصفحت الرسائل النصية في هاتفي، سعادة، حزن، ولادة، موت، احتفال، عزاء، كل التناقضات في هاتفي، وأنا كالجميع أقدم واجباتي الاجتماعية عبر رسالة يحملها هاتفي وتصل بسرعة فائقة.
أصبح للعلاقات رائحة الرماد منذ انتشرت وسائل التكنولوجيا وشملت حتى تواصلنا مع بعضنا، نكاد لا نحصي عدد الرسائل التي نتواصل بها يوميا دون لهب الحنين، وشعلة الشوق، دون حواس.
نعم، علينا ترتيب حواسنا من جديد، علينا أن نرمم علاقاتنا من جديد، أن نحيي الزيارات، السلام، التصافح، العناق، من جديد، علينا أن نحلل زواج علاقاتنا، ونحرم هذا الزواج الوهمي.
تحاصرك التكنولوجيا؟

تتذمر؟

لا، أنت من تخون عاطفتك وتتحايل عليها، ابدأ بنفسك
في الحب كنا نتغنى برأسنا المرفوع، واليوم أجهزتنا تجبرنا على الانحناء لها لنتابع سرب الكلمات داخل شاشاتها.
غطيت ذلك اللقاء بغطاء النسيان، لا أذكر منه سوى لون هاتف الشاب النقال، هل كان اللون الفضي أجمل أم كنت صائبة في اختيار الذهبي؟ أذكر أيضا أنه كان في “المصعد” أحد أبناء التكنولوجيا.
إذا كان “أحد الاستخدامات العظيمة للكلمات هي أنها تخفي الأفكار” على حد قول فولتير، فكيف إذا اختفى معها صدى دقات القلب، لهفة العيون، رعشة اللمسات، موسيقى الأنفاس؟
فولتير إذاً على حق: “إن الذين يجعلونك تعتقد بما هومخالف للعقل، قادرون على جعلك ترتكب الفظائع”
لماذا أصبحنا نكبل الحب بأجهزة الهواتف؟
أهذا حقا ما آلت إليه علاقاتنا؟
بالتكنولوجيا تبدأ العلاقات، بالتكنولوجيا تنتهي العلاقات!

جلنار

1 تعليق
  • سمير الناجي
    يناير 22, 2016

    التكنولوجيا خيانة الانسان للانسان ..
    أشعر وانا حتى أكتب كلماتي هذه لك تعبيرا عن اعجابي بهذا المقال .. أن كلماتي ستصل ناقصة ، سينقصها نظرة عيوني المعجبتين بحروف مكتوبة ، أو حتى تعابير وجهي المتحسرة على ما آل اليه حال البشرية … حتى الشعور سيبدو مبتور اليدين وهو يعانق ملمس جمل عميقة معبرة ، استبدلت رائحة الورق بنبضات لوحة مفاتيح جهازي مستمتعا بسلالسة عزفي عليها ، أبذل قصارى جهدي ليصل التعبير شبيها للكمال.
    لعل المصعد هو أكثر مكان يمكن أن يعبر عن العلاقة السريعة اللحظية ومتسارعة المشاعر والود والمحبة ، فكان التوفيق بل كل التوفيق باختياره ، ولعل علاقتنا أصلا وصلت إلى شحها لدرجة أنك وصلت لدرجة أنك تستطيع وضعهم بين الجدران الألكترونية للاحد التطبيقات التي اخترعها البشر لخيانة أسمى وأرقى علاقاتهم واحاسيسهم.
    لم يعد أهمية الوقت تعبر عن اشتياقنا لشخص ما خصوصا لنا كمغتربين نعيش بعيد عن أهلنا ومحيط كان قد أخذ من حيز حياتنا كل معاني السعادة والفرح ، فغدا مشهد وصولك لباب المنزل وتلقيك لرسائلك الالكترونية فور وصولك حد الباب يلقي فكرة الموت الفعلي لقيمة الوقت ففقد معناه الحقيقي واصبحت دقيقة واحدة كافية لمواساة شخص قد فقد غاليا مأبيه أو أمه أو أخيه ، أو حتى لتربت على كتف شاب قد فشل في امتحاناته فصارك كلمات ك شد حيلك عظم الله أجركم ، منور وغيرها وسيلة مختصرة وفعالة للتعبير عن أهمية الوقت.
    لأكون صادقا معكِ .. الان انتهيت من مشاركة فيديو يتحدث عن الأم كنت قد شاهدته فأردت أن أشاركه على لوحة الحائط التي تخصني على الفيس بوك ، أردت أن أوصل مشاعري لأمي لأخبرها كم أحبها ، بقراءة مقالك الان عرفت أن علي أن اخبرها بملا فمي أني أحبها .. فلتسقط التكنولوجيا ولتذهب تعبيرات وسائل التفاصل الأجتماعي أدراج الرياح

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *