تكلفة هذا اليوم!

7 6

كان يوماً عادياً، الفرح، والغضب، والتعب، والمفاجآت، وحتى الزحام، كلها احداث غير متوقعة، الروتين فقط سيد اليوم ككل الأيام، وكان هو ككل البسطاء لا يتوقع شيئاً.

ثلاث دورات حول نفس المكان لم تكن كافية لأجد موقف جيد لسيارتي، الى ان أشار لي من بعيد، ركنت سيارتي اخيراً في مكان ضيق فنزلت صديقتي الى الدكان او ما نسميه اليوم “السوبرماركت” واضطررتُ للبقاء انتظرها وانتظر أحدهم يخرج لآخذ مكانه و ألحق بها.
شكرته باشارة صامته، فلولاه لما وجدت هذا المكان و ان كان لا يتّسع و إنما أوفى بالغرض، فمشكلة الازدحام و مواقف السيارات كغيرها من مشاكلنا لا حل لها و إنما نجبر ذكاءنا على ان نستمر رغم وجودها ونحتال عليها، عاد يكمل عمله يكنس الشارع، و يجمع كراتين كبيرة خلفتها المحلات التجارية في الشارع ذاته.

كانت ايامه تدور حول عامه الخمسين، يعمل بتثاقل كأن هزيمه ما لحقت به، راقبته خلسة، ليس لأني اهوى المراقبة بل لأن تلك المرآة التي تحذرنا من عدم الاتكال عليها لأن الابعاد من خلالها غير دقيقة او حقيقية، تلك المرآة فاشية الاسرار في زاوية السيارة، كانت تعكس بعدا غير مرئي لهذا الرجل، فلطالما كُشِفت الاسرار لاسباب ظلت مجهوله لاصحابها.

راح يمشي ببطئ شديد الى ان وجد مساحة فارغة يحميها الظل من اصرار شمس آب المشاكسة، وجلس راكيا ظهره الى الخلف، ممسكا بالمكنسة كسيف، كأن استراحته هذه هدنة مع التعب.
أخرج من جيبه شيئا اسودا صغيرا بدا انه هاتف خلوي، نظر اليه، تأمل هاتفه كثيرا قبل أن يتخذ قراره و يرد على المتصل، لم اسمع شئيا فتلك المرآة لا تعكس ابعادا صوتيه، لكن صوته الذي ارتفع و بحدة كان كفيلا بالأمر،
سمعته يقول بتوتر: هل تصدق؟ كلفني اليوم الى الآن ثلاثة دنانير، هل تصدق!
دينار علبة سجائر، ، ودينار غداء، ودينار مواصلات… لا أعلم ماذا أفعل… كلفني هذا اليوم ثلاثة دنانير!
تخلى عن المساحة المظلله التي جلس بها وراح يمشي، ينقر بمكنسته على الأرض و كأنه يعاقبها لأنه دفع ثلاثة دنانير ثمن وجودة على هذه الأرض.

لم أبكِ كامرأة تشهد ضعف رجل، بل شحذت من افكاري استنكارا وانا اسمع خبرا عبر الراديو عن سيدة ناشطة في حقوق الحيوان تدعو الى مظاهرة لحماية حيوانات حيها، وأرى من يخرج من السوبرماركت يحملون اكياسا ثِقَل بُؤس هذا الرجل، كم كلفتهم هذه اللحظات؟

وانا ايضا، “لو كان الفقر رجلا لقتلته”، ولو كان على اي هيئة لقتلته.

اما هو، من احترف عدّ حبات الغبار في الشوارع، بماذا سيقايض الساعات المتبقية من يومه، ان كان قد دفع كل ما يملك مقابل الساعات الماضية؟

استعدت اسرار الموسوعة غير الكاملة للمنطق، لم اجد تفسيرا، غرقت في محيط الدهشة و لم يرحمني موجه الثائر…
وغيمة رمادية محتقنة توارت خلف قلبي تنتظر الجواب…
كم ندفع ثمن أيامنا، مع من نقايضها، وبماذا؟

عادت صديقتي تحمل كيسا وان كان متوسط الثقل الا ان صوت حركته داخل السيارة كان يردد كالصدى: كلفني هذا اليوم ثلاثة دنانير..
ثمن هذا اليوم ثلاثة دنانير…
ثلاثة دنانير…
ثلا…ثة…
دنانير…

جلنار

 

7 تعليقات
  • Osamah Khd
    مارس 18, 2015

    سبحان الله, هذا المواطن البسيط يحمل هم ثلاثة دنانير ونحن نصرف 5 دنانير لوجبة الغداء فقط!! اللهم اعنهم وافرج عنهم و ارزقهم.

  • سهيلة صعب
    مارس 18, 2015

    لا أدري … من سيارتها تتأمل الفقر ولا تفكر بمساندته ولو بسيجارة ؟؟!

  • امال
    مارس 18, 2015

    صورة مؤثرة لاحدی قصص الواقع
    اعجبتني الصورة اللغوية وطريقة سرد التفاصيل مشوقة جدا

  • اماندا
    مارس 30, 2015

    سهيلة، لو قالت لنا انها اعطته ديناران ليكمل بهما يومه او اعطته نصف محتويات الكيس كنا اتهمناها بالتباهي و سردنا احاديث بمعنى لا تجعل يدك اليسرى تعرف الخير الذي فعلته باليمنى…… المقصود من المقال الفكرة …الفقر الذي بعيشه بعضنا….ربما تكون قد فعلت اكثر من ذلك و ربما لا….ما همنا….المقال ليس حول الاعمال الخيرية للاستاذة جلنار

  • Muhammed eltayeb
    مارس 30, 2015

    ILike your word

  • ghada
    ديسمبر 29, 2015

    كلام رائع مستوحه من الواقع المؤلم صدقا لم نعد نشعر ببعض بل جعلتنا الحياة عبارة عن ألالات لصنع المال فقط بدون مشاعر

  • خالد الخالدي
    أبريل 24, 2016

    صورة من الواقع تمّ سردها بحبكة لا تخلو من تشويق و قدرة فائقة على شدّ القارئ ……نمط الحياة نمّى فينا تضخّم الأنا و جعلنا نعيش فردانيّة عجيبة قلّصت من منسوب الإحساس بالآخر ، و التّضامن ، و شدّ الأزر، و كلّ القيم النّبيلة ……..
    الحيف الاجتماعي يجسّد الفوارق و يزيد في تعميقها باعتبار أنّ مؤشّرات قيمة الإنسان أصبحت تقاس بمكانته الأجتماعيّة و بما يملك ……

    واصل العامل البلديّ سيره…رفع رأسه عاليا فتهلّلت من عينيه أسارير الشّموخ و الأنفة ثمّ قال :
    الشّارع لا يزال طويلا و سأواصل عملي بكلّ تفان كما ذأبت على ذلك منذ عشرات السّنين …سأوفّر لكم محيطا نظيفا تنعمون به ، و سأكتفي بما أتقاضى من دنانير ، أليس القتاعة كنز لا يفنى ؟؟؟ أليست راحة الضّمير عملة نادرة لا تتوفّر لدى الجميع ……نعم إنّ الحياة صراع، و إنّ المشاق و المكابدة لا تزيدها إلا رونقا و لذّة ……….

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *