صورة طريفة لوطن

1 4

وسط غابة من ركام الحجارة، رائحة الدمار تنبت سريعاً، سماد بشري وماء أحمر، وحرارة القصف، بيئة جيدة لنمو الدمار، لا حاجة لتقليم أشجار الشهادة…

اجتمعوا عند سنديانة بعمر النكبة، تغطيهم بظلّها كأنها تحلف على رؤوسهم اليمين بأنها شاهدة على نكبتهم، معمِّرة، فذكرى واحدة لعمرها لا تكفي، بل ستين وأكثر، وأكثر…

حضروا من كافة أنحاء الذكريات ، وحتى الذكرى الغائبة جاء من ينوب عنها، حضورهم كان واجباً، سمعوا أن الدمى ستلعب شخصية جديدة في هذه المسرحية، تدعى “وطن”.

بدأ العرض… ظهر “وطن”، بطل الحكاية، انحنى أمام ترحيبهم، صفقوا له جميعاً بحرارة لا مثيل للهيبها، صعدت أصوات الشعارات عالية دون مكبرات صوت، أضيفت شعاراتهم أُسوةً بالنص الأصلي للحكاية، وأدّاها وطن بحرفيّة فنية وطنية.

حكاية وطن هي حكايتهم، حكاية الياسمين وشقائق النعمان، ولذة طعم الزيتون وحلم السلام.

تُحرك وطن يدان عملاقتان خفيتان يتظاهر الجمهور بأنهم لا يروهما، واحدة أكبر من الأخرى بقليل، أو هكذا تبدو، وأيدي صغيرة جداً تلحقهما كيفما اتجهتا! تنتفض وتخاف بأمرهما، وتهدأ بأمرهما…

وفي لحظة فاجأتهم، لم تكن إشارات اليدين العملاقتين واضحة، لكن الأيدي الصغيرة ظلت تتحرك في نفس الاتجاه، إلى أن جاءت سحابة غامضة رمت رذاذاً مجهول النسب، ما إن رحلت حتى تحركت الأيدي الصغيرة بصورة عشوائية واتجاهات مختلفة، ليست مختلفة فحسب بل متعاكسة وإثر عشوائية حراكاتهم تعثّر “وطن”، لبِث برهة يتأمل وجوهم، صمته ملأ المكان حداداً على نسيانه نص حكايته والشعارات…

وفي خبر عاجل…

وقع وطن…

من طرافة المشهد…

ضحكوا.. ضحكوا كثيراً… بعضهم ضحك ولكن الدمع غلبهم، فغلبوه، وأبقوا على الضحكة… ليست مصادفة هي التي جمعتهم بوطن في هذه المساحة من جغرافيا العالم بالتحديد، بل ليسجلوا هروباً جديداً على سطر جديد من صفحة التاريخ…

جسده الموشى بألوان الكدمات، ذكرى الألم مطبوعة على جسده، لتؤكد أن مرورها ليس عابراً! أداروا ظهورهم مغادرين.. لم يحاولوا حتى السباحة عكس تيار الخجل… بل غطى الزبد روحهم سريعاً دون مقاومة تملؤها صدوغ هرمة، وكأنها جاهزة للموت. سألهم… سأل الكراسي الفارغة، بصوت يشبه الصراخ و لكن أكثر هدوءاً، يشبه العتاب و لكن أكثر حدة…

ألم تشبعوا موتا؟

ونام !

 

*المكان: مسرح الدمى في مخيم اليرموك

جلنار

 

1 تعليق
  • امال
    أبريل 17, 2015

    ياه لجمال اللغة وذكاء التعبير في نقل صورة مؤلمة
    اعجبني واحزنني

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *