متلازمة القهوة

3 25

 في حضنها أتنفس اليقظة التي ترقص فوق شاطئ سوادها وتنثر الشروق على أكتاف عشاقها، أنتظر رائحتها بفيض اللهفة وأصحو استجابة لندائها؛ لأنها البداية، مَنْ غيرها يستقبل معي الشمس، والصباح ما كان ليبلغني لولا رائحتها؟

في جلسة مليئة بقصص القهوة جمعتني بأصدقائي، تبين لي كم نشبه بعضنا حين يجمعنا حبها، فمنذ أن حضرَت وسبقتها رائحتها، انصرفنا إلى الحديث عنها، ننام لأنها تنتظرنا، فالنوم أجمل حين تلحقه رشفة منها، رشفة الحياة، كرقصة تهز الجفون، وحدها تطرق باب وسائدنا وتأخذنا من أيدينا إلى الجديد، نتسلل إلى الصباح لنعدها، فأن تعدها صباحًا لنفسك يعني أن تعد الحياة، أن تفتح الباب للبداية، أن تأتيك صفحات الأسرار عبر الغيوم البيضاء المتصاعدة عند الغليان، كيف يعدها غيرك وهي الحوار والكلام، إعلان الحرية، ونبض الجنون.

وأما الفنجان فتلك حكاية أخرى، القهوة ليست كغيرها، لا تقدم بأي فنجان، فأنا مثلًا لا أشربها إلا بفنجان أبيض، أريد من الأبيض أن يعكس جمالها الأسمر الشهي النضر، وهو له فناجين خاصة يجمع ما يشبهها من فناجين من كل بلد يزره، كلما سافر عاد بفنجان قهوة جديد، وهي تحمل فنجانها الخاص المكسور في حقيبتها حتى لا يشوب متعتها أي شائبة، وأما المذاق فهو التجرد من أي إضافة، فماذا نضيف لمذاقها المرّ، مذاقها الصادق.

نحن في الحقيقة نعاني من “متلازمة القهوة”، لأننا، أي عشاقها، نحمل عادتنا أينما حللنا، نحن أصدقاء الجنون لدينا أعراض ترجع في النهاية إلى سبب واحد، لكل عاشق فنجان خاص، ووقت خاص، وأفكار، وشرود، ووحدة، القهوة تحتاج إلى الوحدة لأنها من تنجب الفكرة، كم فكرة ولدت دون قابلة أو طبيب، يكفي حضور فنجان قهوة لتكون الولادة، ويكون الجنون.

وهي أم النضوج، أن يقدموا لك أول فنجان قهوة، فهم يقدمون لك شهادة اعتراف بنضوجك، بأنك جديرٌ بمذاقها، فمنذ تجرعتُ النضج من فنجان قهوة، لا أصدق الحقيقة إلا إذا جاءتني على ظهر رائحة القهوة، كم يحمل هذا الفنجان الصغير من الكلام، كل الشبهات تقف على قارعة فنجاني، هي صوتنا المكبوت، فمن يُسكت القهوة!

محمود درويش الذي طالما تغنى بها، أخطأ حد الجريمة حين لم يمنح المرأة حق المساواة مع الرجل في حبها، حين قال أنه ” لا يعرف سيدات كثيرات مهووسات بصباح القهوة، الرجل هو الذي يفتتح نهاره بقهوة”، كيف ذلك ونحن النساء صانعات القهوة، شاربات القهوة وعاشقاتها، هي لنا الصباح وراوية القدر، حبها لم يكن يومًا حكرًا على الرجال، لكن عذره الوحيد عذر عاشق غلبه تملّك معشوقته، فشارب القهوة محارب أعزل.

قهوتي…

توأم الشمس والحياة، ناقوس الصباح…

هي الليل اليقظ… ليل دون نعاس…

للأسود معنى آخر، معنى الحياة…

للأسود رائحة الجمال، جمالها…

فطوبى للأسود، لونها…

لون المذاق…

جلنار

3 تعليقات
  • محمد جمال
    ديسمبر 13, 2015

    اكثر من رائعه يا سيدتي ، اتمنى وانتظر المزيد من مقالاتك الجميله وال حكيمه
    محمد جمال

    • فاطمة محمد ناجي
      ديسمبر 17, 2015

      راااااااااائعة بحق ..

  • سمير الناجي
    فبراير 20, 2016

    لا تحب القهوة الكسالى ، ولا النائمين، لا تطيق من لا خيال لهم ، لونها الأسمر يرمي حروف في سماء البال ، يرجع الزمان الوراء ، حيث الجلوس صباحا على سطح البلدية ، عندما تسأل تلك الفتاة حبيبها اللذي غاب كيفك أنت؟ اكاد أقول جازما أن كل هؤلاء -من كتب الأغاني من غناها من عاشها أيضا- قد شاركونا فرحة القهوة.
    تعتني القهوة بطفولة القلب، تعامله برقة، تدخل اليه السعادة ، تزيده براءة فتراها المشاعر تتدفق بين كل العاشقين عندما يلتقون في مقهى ويمارسون طقوس اللذة وهم يتنفسون رحيق القهوة .
    ثم أوليس عطر المراة يشبه القهوة ، لا تلومي درويش اختلط لديه العشق ، فمن عشق القهوة يعلم جيدا أن أول ملهمات الشعر لديه أحمر شفاه قبلت به عشيقته حفاف فنجانها ، أوليس أول الحب ملتقى يجمع الأحباء بالقهوة ، يزيد من حميمة الغزل ، ونسج الجمل ، القهوة للأنثى انتظار،قوة، جاذبية ، القهوة للأنثى الحقيقية الأمل.
    وفي آخر سطر علينا ان نشكر القهوة التي توقظ ملكة الافكار لديك كاتبتنا المتألقة ، والتي تنعش رائحة الحروف ، وتصب في فنجان عقلي كلمات ردا على جميل ما تكتبين، وأستمتع بقراءته رشفة بعد رشفة .

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *