بانتظار الشوكولاتة

2 17

بانتظار الشوكولاتة أنجزت الكثير…

في البدء قررت أن أتجول في الأفكار، وأخيط خيوط الملل، وأسبح في الظلام، فقد وصلت باكرًا… كنت في فيغاس مدينة التناقض والمباهج اللامتناهية برفقة زوجي في زيارة عمل، ولأني كما تعلمون أبدأ يومي برائحة القهوة ومذاقها الصباحي المنتظر، رحت أبحث عنها في ساعة مبكرة من الصباح كمن يمشط الشوارع بخطوات دقيقة لتستعد لاستقبال المارين بها بعدي، ومن عاداتي أيضاً أن يرافق قهوتي الصباحية قطعة صغيرة من الشوكولاتة، صدفة وجدت ضالتي، متجرًا يلبي رغبة مذاقي المزاجيّ المتطلب. لم أتوقع أن المدينة التي لا تنام لا تستيقظ محالها باكرًا مثلي، وجدته مغلقًا، وبذريعة أن اللذة لا تكتمل إلا باكتمال تفاصيلها، انتظرت… جاذبية المكان وهدير الموسيقى واستعداد العاملين في المحلات حولي لبداية نهارهم أضاف لانتظاري متعة لا تنسى.

جلست برفقة كوب القهوة الورقي الساخن أحتضن سخونته علها تنتظر معي قطعة الشوكولاتة، بينما كانت أنظار المارين والجالسين تنجذب قسرًا نحو جمال فتاة طويلة دون مساعدة الكعوب العالية، بدا لي أنها تعمل في أحد المحلات المقابلة، تحاول رفع الباب الحديدي لذلك المتجر، كان طولها يتناسب عكسيًا مع طول فستانها، مما جعل الأنظار معلقة عليه أكثر منها، هم تابعوا تحركاتها وأنا تابعت نظراتهم.

رغم أن الملل ما كان ليجد أي سبيل للوصول إلي في شارع مليء بالغرائب كالذي بفيغاس، إلا أني رحت بتأنٍ لافت وبدقة أرد على عدة رسائل هامة في بريدي الإلكتروني كانت عالقة منذ يومين وتنتظر مني دقائق كهذه، ثم دونت بعض الأفكار التي كانت تشغلني ولم يكن باستطاعتي نقل إحساسي بها عبر الكلمات، ووجدتني على بعد كلمات من إنهاء مسودة مقال بدأت كتابته ثم انشغلت. فجأة، أيقظ شرودي المليء بالإنتاجية عشر رجال في زي البحارة اصطفوا متشابكي الأيدي وينشدون بحماسة عالية وكأنهم ينشدون النشيد الوطني لدولة العمل التي تنتمي إليها ساعات يومهم القادمة، تفرقوا وأخذ كل منهم مكانه، هكذا يبدؤون يومهم، كانوا ينظمون جولات في قارب صغير، Gondola كما يسمونها، حين انتهوا من نشيدهم وجدت محل الشوكولاتة خلفهم قد بدأ نهاره هو الآخر، توجهت إليه، اشتريتها سوداء محشوة بحبات اللوز، تناولت القليل منها مع ما تبقى من قهوتي التي أصبحت باردة، خمس عشرة دقيقة كانت كافية لأنجز الكثير من مهام بدت صغيرة رغم أهميتها وتراكمت حتى تعاجزت عنها، قد تكون لعنة الانتظار هبة أحيانًا.

تلك الأفكار ثمرة وقتي القليل، وما زلنا نلوم الوقت لا أنفسنا… جميل أن ننحني أمام هيبة الوقت، والأجمل أن نترفع عن إهداره لنملك مزيدًا من العمر، فليس وحيدًا من أدار زمانه.

فكرت في همّ صديقتي الدائم في مقارنة نفسها بزوجها الذي لمع جهده ونجاحه أكثر منها، لأنها لم تستطع يومًا أن تدير وقتها بينما كان هو كما تلقبه وتعترف “ملك الوقت”، رغم أنهما يحملان نفس الشهادة العلمية وأتيحت لهما ذات الفرص، لكن الوقت كان وما زال عدوها الذي جنى على أحلامها. وتذكرتُ أيقونات النجاح التي نتتبع أخبارها وملايينها، فوقتها توأم النجاح، لأن من نازل الوقت وانتصر عليه فقد أدرك عمره وزمانه.

كيف يزهد البعض في كل شيء بينما طائي كرمهم يسمح لهم إسراف ساعات يوميًا أمام التلفاز، يفيض بهم الفضول لمعرفة قصص وهمية ويضعون قصص حياتهم وتفاصيلها جانبًا ثم يجدون الوقت حجتهم المقنعة حين لا ينجزون ما أرادوا، إن كانت الرياح تسير كما تشتهي أقدارنا لا الأمنيات، فلا بأس من تجديف الأماني لزورق حياتنا، فقد يتغير مسارها.

بالوهم نحن مسكونون، فحرب الزمن مفخخة بالكسل، هل تغفر لنا محكمة الأحلام إسرافنا في الوقت وترفنا في طلب المزيد، كم خططنا ونحن على يقين أنها خطط لن ترى نور الوجود ما دمنا لم نسع إليها بجهدنا ووقتنا.

هو الوقت، للبعض هاجس مقلق بانتظام، وللبعض حلم عابر بفكرة وحنين لماضٍ لن يعود، وللبعض كأن شيئًا لم يكن، هو خارج نطاق تحركات أفكارهم اليومية.

تمضي الحياة سريعًا وكأن حلمًا لم يزر يومًا أرواحنا، لا تعكروا صفو أمنياتكم بل حققوا ما تيسر منها قبل أن تنكس أعلام العمر، فحين يغادرنا الزمن يحفر آثار وجوده السابق بعمق، فأخطاء الزمن لا تغتفر وتقاس بأعمارنا، وكأنه اختبار دائم يرافق أيامنا.

جلنار

2 تعليقات
  • سمير الناجي
    يناير 6, 2016

    سلام الى جلنار

    اليس من الممتع أن نحتسي كوب قهوتنا صباحا ، هي عادة للمتميزين أو أصحاب المخيلات المتأججة بالكلمات والأفكار المبدعة كما انتِ
    أفكر أحيانا هل يتمرد علينا الوقت ام نحن المتمردون ، أخشى ان هناك يد لنا في فشل صعودنا الى خطوات أكثر في سلم أحلامنا الموسيقي ، فيلقي كسلنا النشاز نفسه في حنجرة الوقت فيجرحها
    نعم الفلاح لمن يستيقظ باكرا ممن يبني دقائق يومه من صباحه ، والوقت مثل لعبة المكعبات الملونة يجب ان تديريه بالشكل الصحيح لتفك لغزه ولتتخطى عقبات تمر بحياتك بأقل خسائر ممكنة
    المقال كلاسيكي ، متعته كلماتك المتخمة بالصور التشبيهية والعبارات السلسة ، وأن تتبدل هوية الصباح من احتساء قهوة ألى متعة انتظار الشوكولاته فهذا جميل جدا وهي الفرصة الأكثر تعبيرا على مدى اهمية الوقت

  • نور الهدى
    يناير 8, 2016

    تحية الى جلنار
    في البدأ شهيتينا في كوب القهوة الساخن اللي نبداو بيها يومنا كما نقول عندنا في الجزائر.
    صدقت نوقع كل لومنا على الوقت وهو ملك في أيدينا والأصدق نحن الملامون لتضييع الوقت في أشياء تبدو لنا تافهة ولكن مع مرور الزمن، نتحرق شوقا لحكايات مسلسلات وننتظر النهايات بفارغ الصبر ونحن غافلون على أنها مجرد شخصيات ابتكرها أصحابها وكتبوا نهاياتها فنجد أنفسنا نتتبع حكايات لمدة تفوق شهر وشهرين ولا نعلم أن دقائق وساعات مرت على حياتنا دون أن ننتهز فرص القيام بعمل يعود علينا بالفائدة ثم نشتكي ركود حالنا وبقائنا في نفس النقطة دون تقدم لنعود مرة أخرى ونلوم الوقت بحجة أننا في زمن ذهبت فيه بركة الوقت والأصدق أننا نحن من نملك كامل الحق في تسيير وادارة وقتنا.
    المقال جد ممتع ويجذب القارئ لقراءة المزيد.

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *