مصاصو الأحلام

3 12

صورتها تحرك أوتار مخيلتي لتحضر بقوة في ذاكرتي، وكلمات جبران حاضرة أيضاً لمناسبتها لتلك الذاكرة؛ “ازرع أين شئت بالأرض تجد كنزاً، ولكن عليك أن تزرع بإيمان الفلاح”.
لعل أكبر الزلازل المدمرة تحدث داخلنا. رأيت يومها ظل فستانها الأسود الطويل خلفها يحاول إخفاء الدمار، تطوي سنوات عمرها وإرهاقها تحت ظلها وتمشي بثقة وابتسامة لعلها الأندر منذ عرفتها.
كانت “نينا” تدير أكاديمية لتعليم اللغات، لم يُثْنِ أحد يوماً على إدارتها، وكانت على خلاف دائم مع الجميع لسوء إدارتها، لكنْ لخبرتها الطويلة وعمرها ولغتها الأجنبية القوية حصلت على منصبها ولقبها المهني، وإغراء المردود المادي كبّل طريق حياتها ليأخذ منحًى إدارياً بدلاً من التدريس الذي كانت دائماً تشعر من خلاله بإنسانيتها وقدرتها اللامتناهية على العطاء، فالتدريس هو الدور الوحيد الذي تتقنه.
حين حصل نقص في الهيكل الأكاديمي بسبب تغيب أحد المدرسين، كان عليها أن تغطي ذلك النقص وتقوم هي بالتدريس. رأيتها حين عودتها من إحدى المحاضرات مسرعة لسبب مجهول، ما زالت الابتسامة النادرة تقف متعالية فوق شفتيها يلونها التحدي، لم أعلم إن كانت هذه الابتسامة تتحدانا أم تتحدى “نينا” نفسها، أم تراهن كم ستبقى بين شفتيها، أم أنها ستسجل رقماً قياسياً غير معهود! وحين تكشّف سبب سرعتها عرفت أنها استقالت وغادرت تبحث عن كنزها الذي دفنته الحياة لتزرعه بإيمانها الذي أعاده من جديد.
ترك شارلي شابلن أثراً بفنه وبمقولته؛ “لا يوجد شيء دائم في هذه الحياة، ولا حتى مشاكلنا”، لكني أخالفه بعض الشيء، فأنا أجد شغف الأحلام عند البعض دائمًا لا يموت، أما فوضى الأحلام فتحتاج لمن يعيد تهذيبها.
مثال جميل آخر لا يُنسى لامرأة قاومت مصاصي الأحلام الذين يضعون العقبات أمامنا لنتنحى لهم عن رغبات تسكننا، التقيت بها في يوم المرأة، ولا أعلم إن كانت صدفة أن ألتقي بها في هذا اليوم بالتحديد، وكأنها ستصبح رمزاً أذكره في هذا اليوم من كل عام. كنت أنتظر دوري في معهد الموسيقى، أشعر ببعض الخجل لأني بدأت بتعلم الموسيقى في عمري هذا، استمعت لعزفها خلال انتظاري، عزفها مبتدأ إلا أنه أكثر جودة واتقاناً من عزفي، وحين انتهت فاجئني عمرها، ابتسامة التحدي ذاتها التي كانت تزين وجه “نينا” من قبل تجلس بكبرياء على شفتي هذه المرأة السبعينية الجميلة، خجلت من جديد من نفسي، خجلت من خجلي، تلك المرأة التي لم أتشرف بمعرفة اسمها جعلتني أشعر أن الشباب يبدأ في السبعين، عيناها قالت لي: “أجمل ما في البدايات أنها غير مقيدة بزمن، فقد تكون أي لحظة هي البداية”.
كل حلم يمكن أن يصبح أرقاً يلاحقنا، بعضنا استسلم لمصاصي الأحلام الذين يقابلون أفكارنا بالعراقيل، لديهم ما يكفي من أسباب لتثقل كاهل أحلامنا وترهقها، ينتشرون بيننا كالوباء حين يستوطن الوهم أدمغتنا، فالبعض ينساقون لهم، يسمعون حياتهم من أفواههم ودكاكين أفكارهم القديمة، وكلما أراد الحنين إلى أحلامهم السابقة أن يلحق بأمنية وجد دربه مسدوداً، فبعض الأمنيات ليست إلا أرجوحة في الوقت الضائع.
حين يستوي الحلم على أريكة الراحة يندثر، فمن يزرع حلماً يحصده …
هي الأحلام بعضها مُعَجَّل وأغلبها مؤجل …
لحلمك عليك حق …
يعيش حلمك ما دمت أنت حياً…
لو تأثر العظماء والعلماء والأدباء بمصاصي الأحلام، لكنا خسرنا العلم والأدب وأصبحنا نعيش في صحراء بشرية دون حضارة.
مصاصو الأحلام ينشرون السراب، لذلك أردت دوماً من الجنون أن يكون شريكي في أجمل لحظات اليقين… وكذلك عليك أن تكون …
فأنت حلم ثم بريق ثم حقيقة …

جلنار

3 تعليقات
  • HOURIA
    أبريل 28, 2016

    كتابات جميلة وراقية نتمنى المزيد

  • وجدان العطار
    نوفمبر 28, 2016

    دوما تذهلينا بما تكتبين تأخذينا معك حيث الجمال والإبداع ? أبدعت صديقتي الرائعه

  • Hossam almaani
    يناير 21, 2017

    جلنار ابداع يتلوه ابداع ?

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *