أرجل صغيرة تُعْشَقُ

1 7

كمايسترو انتهى للتو من صناعة لحن جمع به معجزات الكون من جميع أرجاء الخيال بعد أن استسلم لإجهاده، كذلك كنت أنا حين فرغت من الولادة، وكأني في لحظة شرود جنونية أرى إنجازاً وجد بسبب عنائي وحدي بعيداً عن روايات المعجزات. أكانت تلك اللحظة بكل ما فيها من ألم، بكل الخوف المحيط بثناياها، بكل الترقب والصبر، وبكل الدهشة، أكانت اختصاراً دقيقاً للخلق ذاته؟

كنت قيد الإقامة الجبرية لأفكار سلبية، ألوم نفسي لأن إنجازاتي قليلة خلال الأشهر الماضية وبعيدة عما أردت، أخبرني زوجي مراراً بأني أقوم بأهم إنجازات حياتي، لم أفهم ماذا يعني إلا حين التقيت بطفلي وأدركت معنى أنوثتي.

لم يطرب قلبي أو يرقص فرحاً حين علمت بقرب ولادته، بقدر ما شعرت بخوف المسؤولية الغامضة القادمة في طريقها إلي، كمن هاجمته الحقيقة وهو في أوج الغفلة، ذلك أن قناعة راسخة بالمسؤولية فرضت نفسها منذ تلك اللحظة التي أدركت فيها قرب استحقاقي منصب “أم”، فلم يكن ينقصني سوى كثير من الوقت وبعض السلطة لأنشر حجتي وقلقي للجميع، ليعلموا ماذا يعني أن تكون طرفاً في ولادة طفل جديد، ماذا يعني أن تكون جزءاً من هذه “الصناعة”.
عبثاً حاولت أن أنزع سهم تلك الفكرة، هل أملك أدوات هذه الصناعة الأكثر خطراً على الإطلاق؟ صناعة “إنسان” بفكره وعاطفته وأخلاقه، سأكون سبباً بمرور اللغة عبر لسانه، سيكون أول ما يراه مشهداً قدمته لعينيه، وسأجيب عن أسئلة تصب في دائرة فكره لتشكل محور معتقداته، سيكون يوماً ما “هو” بناء على ما قدمت له أنا. هل أنا جديرة بتمويل مشروع بهذا الحجم فكرياً وعاطفياً؟
أتعجب كيف يستطيع البعض أن يمدوا الكون بدروع ذريتهم البشرية دون أن يرف لإحساس المسؤولية هذا جفن! أولادنا أحلامنا، ليسوا امتداداً لنا وإن كانوا امتداد حياة زرعناها لهم أو تركناها صحراء، هم النسخة الأكثر تطوراً منا، وفي ذات الوقت هم ناتج صناعة فريدة قمنا بإنتاجها.

وبلحظة، لُجِمت هواجسي، شرَعتْ باب الهروب وغابت، كأني فقدتُ شرعية الأفكار، أفِلت كل القوانين والقواعد وبقيت تلك الأحاسيس الجديدة هي الشرعية المطلقة أمام هذا الإعجاز العظيم صغير الحجم، غابت منذ التقيتُ بعينيه تبحث عني، فحين تحط الأمومة أوزارها تهزم شكوك العقلانية.

حتماً ثمة سر إلهي خصه الله للمرأة لا تدركه إلا حين تتوج أماً، وتدرك بأن هذه الأقدام الصغيرة بضعفها قادرة على أن تحمل عالماً بأكمله إلى أعلى أبراج القوة …
هذه الأقدام الصغيرة قادرة وبمجرد رؤيتها أن تصنع فرحاً غير متناهٍ في الروح …
هذه الأقدام الصغيرة معها وبها أحلام جديدة تولد ….
هذه الأقدام الصغيرة تُعْشَقُ …

جلنار

1 تعليق
  • SUHAIR DUGHLAS
    أغسطس 17, 2016

    هذه الاقدام الصغيره لها مني قبله شعرت برغبه في البكاء لقد داعبتي ادق مشاعر الاحساس بلامومه الصادقه

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *