“قلب القيم”

0 4

لمن لا يعرف فهذا العنوان مقتبس عن عمل لم يصدر، تبدل مصيره وتحول لعمل آخر، وتجرأتُ هنا عن قصد وعمد، دون شبهة الإصرار، على اقتباس هذا العنوان عن كتاب أراد الفيلسوف الألماني نيتشه كتابته، ليقلب بأفكاره كل القيم السائدة، “قلب القيم” أو “قلب كل القيم” وفي ترجمات أخرى “إعادة تقييم كل القيم”، إلا أنه تراجع عن هذا الكتاب لمصلحة كتاب آخر رأى أنه قلب به كل القيم كما أراد.

وهذا ما أراده الأسرى تاركين خلفهم كل الخيارات ومتمسكين بقوتهم وإرادتهم، محاربين من الدرجة الأولى دون سلاح، فهم لا يملكون سوى ضبط النفس وهو سلاحهم الأشد.
أعلن الأسرى إضرابهم المفتوح عن الطعام ليحتجوا على سياسة القمع التي تمارسها سلطة الاحتلال في السجون بحقهم، لا يطالب الأسرى بسجون مرفهة، بل يطالبون بحقوقهم الأساسية كبشر، فهم يعانون من الإهمال الطبي، والضرب، ومنع الزيارات، والعزل الانفرادي، ذلك مع وضعنا جانباً أشكال التعذيب التي قد لا نقوى على تخيلها، والمعاملة البعيدة عن احترام الإنسانية.
انقلبت كاميرات الإعلام وأصواته بأشكالهما، وخفت وتيرة التصعيد الهزلي بتصوير إسرائيل حليفاً، فقبل أسابيع كانت تندد وتطالب بفرض العقوبات وتقدم المساعدات الإنسانية للسوريين قرب حدود الجولان. جاء الإضراب لتذكير من تغافل بأن إسرائيل دولة احتلال قبل أي شيء، الدولة الديمقراطية كما تدعي، ولا أعلم كيف لها أن تدعي أي شكل من أشكال الوجود وهي كيان قائم على الاحتلال منتهكٌ قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وحتى القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء. فجرالأسرى بركان الحنين لثورة الإصرار، ووجهوا آذان العالم التي أبت طويلاً أن تسمع، لتسمع الآن صمتهم وبدقة. أليس هذا قلباً للقيم؟

قد لا يملك الأسير وقته أو مكانه، وهو المحكوم بالسجن مئات الأعوام، أو بالمؤبد مرتين وثلاث، ويفتقد للكثير مما نملك نحن خارج السجون، يثور غضبه كل يوم على ظروفه، يمقت كل ثانية جدران الأسر، قد يفقد حتى حق التحكم بجسده، لكن روحه وعقله ما زالا ملكه، وله حق القرار وحق الصمود. قد تكون ظروف الحياة وأهم احتياجاتها غير متوفرة لمن هم خارج السجون في فلسطين المحتلة وخاصة في غزة، لكنهم رغم تشديد الظروف عليهم أيضاً صامدون، يسحبون ضعفنا ويزودوننا بالكرامة، وإن سألتهم يجيبون: مازال الأمل موجوداً والمستقبل لنا، وأما من غابوا فهم أحياء عند ربهم، ونحن موتى رغم الحياة.

لم أنسَ نظرات الهلع في عيني أم التقيتها منذ سنوات عند اندلاع الانتفاضة الثانية عام ٢٠٠٠، أخبرتنا عن خوفها على ابنها حين أرسلت لها المدرسة تطلب حضورها، وكان السبب خلف ذلك أن الطفل حين سئل السؤال المعهود: ماذا تريد أن تصبح حين تكبر؟ أجاب: فدائي.
تُرى هل أراد الطفل انتزاع هذه المبادرة ليغطي ضعف محيطه واستسلامنا لكل ما يحدث حولنا. خوفنا اليوم على أبنائنا من الهزائم أصبح أكبر، وعبء حمايتهم أصبح أعظم والانكسارات تحيط بنا.

من أراد منكم أن يعلم أولاده مفاهيم نادرة قد لا يروا مُثلاً لها، فليخبرهم عن فلسطين وما تنجب فلسطين.
شكراً لإشعال نور فلسطين الساطع على العالم المظلم.
فلسطين الأرض لا السلطة، وفلسطين الشعب لا الأنظمة.
شكراً لأسرانا قادة التغيير وملوك الحرية، وعذراً من كل أم فقدت ابنها أو تجهل مصيره، أو تحترق ألماً من شوق الغياب، أنتن أمهات هؤلاء الرسل وزوجاتهم وبناتهم، رسل البطولة، لكم الله، لا شيء أعظم لأدعو لكم به، لكم الله والجنة التي تحلمون بها، فهذا الحزن لا شفاء منه إلا بالقوة.

جلنار

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *