حمية روحية

0 5

نحتاج شيئاً آخر غير الأمل، الأمل وحده لم يعد يجدي، فالأمل بعيد لمن ينتظره قابع في قاع الجرة، فحسب الأسطورة الإغريقية أعطيت باندورا صندوقاً صغيراً لتحفظه ولا تفتحه أبداً، ولأن باندورا بها من صفات البشر الكثير قادها الفضول لفتحه، وخرجت منه الشرور إلى العالم، خافت باندورا التي خالفت العهد بفتحها الصندوق وقامت بإغلاقه، فبقي الأمل بطيء الحركة في قاع الجرة لم يستطع اللحاق بباقي الشرور.

يقال أن أم سقراط كانت قابلة، ومن أجمل الأفكار التي كان يسوقها سقراط وبفخر أنه يواصل العمل في مهنة أمه باختلاف بسيط وهو أنه يساعد على ولادة الأفكار، وروي عنه وهو المعروف ببساطته وزهده، أنه تمشى ذات يوم في السوق ونظر ناقداً كثرة البضائع المعروضة وقال: “ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها!”. ونحن بين صفقات الحروب حولنا، وأزماتنا الذاتية، وخسائرنا، والفقد، والفقر، والفشل، والجنون، والسعي، والهجر، والنسيان، ورحيل الأيام، نمارس مهارة الانتظار على موسيقى القلق، ننتظر أملاً لا نثق به.

يدعي علماء النفس أن القلقين يبحثون عن أشياء تثير قلقهم، لا أعلم كيف استطاع الخوف، هذا الشعور الذي نملكه، أن يملكنا ويخلق منا مرضى لا نعيش إلا به، كيف سيطر على حياتنا ليكون نكهة أيامنا المستمرة، فبعض الهموم منسوجة من ناطحات الخيال.

لو يبادر أحدهم يوماً ليثري معرفتنا بعدد المراكز الخاصة بإنقاص الوزن، وعدد الأخصائيين في هذا المجال، سيجد عددهم تجاوز ما وصلت إليه مخيلتنا من أرقام، يأتي هذا التناقض موازياً لزيادة عدد الدول التي تعاني من نقص الموارد الغذائية، فهل بحث أحدنا عن حمية روحية لتتسع عقولنا لهذا الدمار؟ كم أصبح نحت الجسم أولويتنا وأهملنا نحت الفكر وتجميل الروح، نحتاج علاجاً لهذا الوهن الروحي من داء الهموم، فالكروب تمتص شحيح الأمل. كم يبلغ وزن تراكم الجهل والحقد ومخزون الحب والثقة والعلم؟ من يقوى على تبني حمية تساعدنا على التخلص من تراكم الوهن وبناء عضل الحب ونحت مشاعرنا لحياة أبسط وأجمل؟

لأن صوت الأفعال أعلى من سكون الشكوى، وحدك المسؤول عن تلك الروح، تدافع عنها بخوف كما تخاف مما يخبئه القدر، وحدك ترد لها فرحها وقوتها، في هذا أنت وحدك، هناك وقت لتلك الأنا في جوفنا، وقت لترفنا، ولجنوننا، وقت لحبس الواقع بسجن الجمال الذي نحلم به، فعلى منصة الهوامش نركن سعادتنا.

تبقى لنا ممرات للهروب وإن كانت ضيقة إلا أنها تسمح لنا بإعادة تهذيب الألم، فالاقتباس أحيانا أجمل من الحقيقة. نحتاج حمية روحية، وقتاً ننفرد به مع أنفسنا، ندعو ما هرب منا في غفلتنا عن سعادتنا، نمارس بها البعد عن تلك النفس الوهنة المعجونة برائحة التعب لنلتقي بالأنا التي تشكلنا، من حقك أن تستولي على أحزانك بوضع اليد لإزالة آثارها و دفن ترسباتها بعيدا ما أمكن.

أخطر الصناعات الحديثة صناعة “خلق الحاجة”، فمعظم ما نحتاجه نريده دون سبب فقط لأنهم أوهمونا بحاجته، وتغافلنا عن حاجاتنا الحقيقية المتاحة التي تنتظر إشارة منا. من أجمل أقوال الإمام الغزالي: “إن نقص الكون هو عين كماله، مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته ولو أنه استقام لما رمى”.

تزورنا الهموم كموج البحر، لطيفة أحياناً وثائرة بلا رحمة أحياناً أخرى، متناقضة كحرب الملائكة مع الشر، وحرب الشياطين لمحو الخير.

ننتصر خلف كواليس الأيام، فإن تجاهلنا أحزاننا وأثقالنا لا يعني أننا ننساها، نحن لا ننسى وإنما نمارس ببعض الاتقان لعبة الحنين إلى الترف، نريد ميزاناً خاصاً لقياس المشاعر على أن يكون ذاتي الاستعمال، لينتج إنساناً يستحق الحياة، فالوجوه المزيفة تملك جلداً حساساً لا يخفي ظل سوادها مهما فعلت.

البوذية وتشريعات مانو والكونفوشية والديانات السماوية بل وكل من ادّعى الألوهية أو النبوة وكل المذاهب وأشكال الأديان والعقائد دون شك دعت وما زالت تدعو إلى التقرب من النفس، على هيئة صلاة أو تعاليم أو أفعال أو دعاء، وكانت أيضا مفاهيم كالطبيعة، وضبط النفس، والتسامح، والقراءة، والاعتدال، وربما الزهد، ونبذ الشر والجهل، واحتضان الخير والمعرفة، وأحكام الإغلاق على صندوق الغرائز، كانت ومازالت قاسماً مشتركاً بينهم.

نحتاج حمية ذاتية روحية نؤمن بها كإيماننا بأن الله العظيم معنا داخل قلبنا الصغير، وسأجتهد بإطلاق بعض الحميات الروحية المجدية إن التزمنا باتباعها يومياً؛ حمية الحب، وحمية الخير، وحمية الموسيقى، وحمية تغيير الذات، وحمية القراءة، وحمية ممارسة الهوايات، وحمية الصدق وما أصعبها من حمية، وحمية اللقاء، وحمية الرقص، وحمية القرار، وحمية الغفران.

لا أدعو هنا إلى أن نملك هذا الكم المستحيل من التسامح، فإن كان الله خلقنا إنساً فلا أمل لنا أن نصبح ملائكة…لكني أتساءل؟ هل جربت الهجرة من هذا الامتلاء الذهني إلى عالم الرشاقة الذهنية باتباع “حمية روحية”؟

نحن بحاجة الى تخفيف وزن الهموم أكثر من الدهون!

سامح الله باندورا فلولا الفضول لما عرفنا الشرور…

 

 

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *