سعادة مؤقته

1 11

لعلنا نتفق على أن السعادة ماكرة، وأن العناق الأكثر حرارة يكون حين نلتقي سعادتنا، نتوهم بقاءها، ويخيب تمني مرافقتها ما تبقى من حياتنا منذ لحظة وصولها. السعادة لم تخلق لترافق لحظاتنا جميعها، هي نقطة تحول نستمد منها طاقة تذيب وهج المصاعب وإحباطاتها، نخطئ حين نسعى لحراستها ولا نتنفس حضورها، حماة السعادة أقلنا حظاً بنعمها.

حملة الإحباطات ترافق خطواتنا ولاتخف وتيرتها، إنما تنضج انفعالاتنا بحيث نصبح أقدر على التكيف معها، تشرف عليها بتمرس صعوبات الحياة حتى ننفق ما تيسر من أيامنا حزناً وتعباً، وتستلذ بما تفرضه علينا ضرائب الأرق، وتجبي أي سعادة عابرة قد تجمل مسيرة قلقنا المنتظم، تنصب لنا الظنون فخاً عميقاً حين تصور لنا السعادة مرحلة أخيرة نصل إليها بعد مشوار حافل بالعثرات، بينما السعادة لحظات مؤقتة تزورنا كل حين.

السعادة كالفصول؛ تخترق الشمس بهالتها ودفئها شتاءنا فنصبح أكثر صبراً على جفافه، وفي ليلة صيفية ترخي الحرارة درجاتها حتى يختلط علينا الصيف بليالي الخريف؛ السعادة فرصة بين خليط من الإخفاقات، هي لا تعلن عن نفسها، يكفي أن تسمع ضربات قلبك المحفزة لتعيش حضورها الماكر.

هناك من يأبى فتح أبوابه للسعادة ظناً منه أن المباهج إما كبيرة وإما لا شيء، لا بأس بسعادة بسيطة أو سعادة مؤقتة، هي فسحة لروحنا الوهنة نقتبس منها أسرار البقاء، نحتاج إجازة قصيرة، ونحتاج لقاء صديق، ونحتاج للضحك، لا يهم ما ينتظرنا بعد سعادتنا، نحن نمارس ما يتاح لنا من سعادتنا لتستبيح أعماقنا بغموضها المبهر.

البداية سعادة مؤقتة، والخطوة الأولى سعادة مؤقتة، والسفر سعادة مؤقتة، وفنجان القهوة سعادة مؤقتة، والنظر إلى عيني طفل سعادة مؤقتة، النوم سعادة مؤقتة، الذكريات الجميلة سعادة مؤقتة، إذا كان الحزن عابرا فكيف لا تكون السعادة عابرة!

لا بأس بسعادة مؤقتة فهي ممر إلى سعادة أكبر، هذه الفسحة تجعلنا نعطل إحساسنا بمشاكلنا وهمومنا ولو لبرهة.. لنسمح لأحاسيسنا الجميلة بأن تخرج ونعمل بأثرها بشوق أكبر، وتمسح عنا بعض الضيق، ربما توجه تفكيرنا بطريقة أفضل .. هي ليست حلا لمشاكلنا، ولكنها استراحة تسمح للهدوء الذي نحتاجه بأن يأخذ دوره المهدور وسط مشاغل الحياة. لا تغلقوا الأبواب أمام سعادتكم حتى وإن كانت مؤقتة..

نحن لسنا مستقبلات للحزن .. من حق السعادة أن تأخد طريقها إلينا، وإلا تحولنا إلى شظايا بشر.
لسنوات عشنا نلهث وراء شرك السعادة، ونتساءل لماذا يحتكر البعض الفرح، وتستهين بنا البهجة فتأبى زيارتنا؟ نحن نطمع في أن تستقر الأفراح في عقر أيامنا للأبد، بينما هي وهم ذو سحر دافئ قصير العمر.
هناك من تمرد على النزر اليسير الذي تورده إليه الأيام من الغبطة، فطور ذاته ليكتفي بصناعته الروحية للسعادة ونال عمراً من البهجة، وهناك من بنى سداً أمام تردد أمواجها فامتنعت عنه.

1 تعليق
  • حميد
    سبتمبر 24, 2017

    لك الحياة النيرة و الواعدة في لجة الضباب و سدول الليالي الحالكة..،فلتوسعي أفق حلمك كبلبل بين تغريدة و طلقة مفترسة..دمت محبة للادب في دوام خدمته لحلمك..لك مني كل الامتنان و الاخلاص الدائمين.

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *