صفقات على جسد ضئيل

0 2

البقاء على قيد الحياة لا يعني البقاء على قيد الإنسانية، هناك أنواعٌ للموت، أكثرها عذاباً حين يبقى المرء حياً بينما يكون داخله ميّتاً، فالموت كما وصفه يوسف إدريس أن ندور في دائرةٍ واحدة مهما كانت تلك الدائرة.

منذ مدة شاهدتُ فيلماً وثائقياً يطرح حجم العنف الذي تتعرض له المرأة في إحدى الدول الإفريقية، معظم النساء المعنفات كما جاء في الوثائقي متزوجات، يتعرضن يومياً للضرب والإهانة والاعتداء الجنسي والجسدي، وحين سئلن عن سبب بقائهن ضمن إطار زواج مهين وآثار كدماتٍ تملأ أجسادهن، اجتمعن على جوابٍ واحدٍ؛ ليس لأي منهن عملاً أو عائلةً تأويهن وتتقبل رغبتهن بالطلاق، وأضفن أنّ السبب الرئيسي لبقائهن هو تأمين قوتهن. هو الغذاء ذاته الذي يقدم لهن على طبق من إذلال وقد يحرمن منه في ليال كثيرة عقاباً على جرأتهن الهزيلة في صد إهانات الزوج الوحشية، فتقضي الواحدة منهن ليلتها تواسي جسدها المتورم على إيقاعات معدة خاوية.

في سوريا مثلاً، لا تكفي مصطلحات كالقتل والتهجير والفقد والفوضى لتصف ما تعاني منه المرأة السورية، فبحسب تقارير الأمم المتحدة، معاناتها ستمتد لأجيالٍ حتى وان توقفت الحرب غداً، بعد أن أذابت الحرب فتات الإنسانية وشوهت فيها الحياة. ففي سبيل حصول المرأة على المساعدات الإنسانية والغذائية التي تقدمها منظمات الإغاثة، داخل سوريا أو في المخيمات؛ قد تتعرض للاعتداء الجنسي من قبل العاملين على تقديم المساعدات، بعض النساء يستسلمن مقابل بقاء وجودهن فوق تراب ابتلع الرحمة، وأخريات يتجنبن الحصول على الغذاء تجنباً لاستغلالهن، رغم أنهن المعيل الوحيد لأطفالهن في حالات كثيرة، ويرفضن مقايضة جسدهن بالغذاء ويبقى الجوع يطاردهن. ويضاف إلى قائمة معاناتهن: الاغتصاب، الزواج الإجباري، وزواج القاصرات. فكلما ازدادت الحاجة تلاشت الإنسانية.

نساء الروهينجا في ميانمار يتفوقن في معاناتهن، فالواقع هناك أقسى من مبالغات الخيال، ويتعدى الاعتداء الجنسي الى تشويه كل ما يرمز إلى أنوثتهن من أجل إنهاء نسلهن وبث الرعب في أرواح تتقصى براً آمناً وجرعة حياة، بعضهن كما تذكر التقارير لم يتجاوزن ستة أعوام وتعرضن للاغتصاب الجماعي والحرق أحياء.

وبعيداً عن ضجيج الحروب، وبالقرب منا، في مجتمعاتنا هناك حروب أخرى كامنة لها الأثر ذاته، وتأخذ شكلاً أُسرياً مبني على القمع والإجبار، وقصص كثيرة يمكن أن تروى عن جسد يقدم مقابل بقائه و غذائه، ونساء يعشن في نفق الخوف تحت حصار الأعراف، وكرامتهن ترقد في جيوب رجالهن.
كثيرات يعشن القمع في بيوتهن منذ فرض عليهن زواج لم يأخذن فيه حتى مهورهن كما سلب رأيهن، يتعرضن للعنف الجسدي، وللخيانة، ويرضخن لأنهن لا يملكن ثمن استقلالهن وقوتهن، فمنذ البداية لم يسمح لهن بإكمال تعليمهن أو العمل، وتصبح الطاعة مكيدة يمارسنها كوجه لحياة فرضت عليهن برغم الرفض الثائر داخلهن ” فالأشياء الخفية تجعلها أضدادها مرئية” كما قال جلال الدين الرومي. والأكثر وجعاً أن القوانين تنافي سببَ وجودها ولا تعدل، وإلى الآن ما زال البعض يحارب تمكين المرأة.

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *