الحيلة شريعتنا الأولى

0 1

خدعونا حين قالوا الحرب خدعة، كان الأجدر بهم أن يقولوا الحياة خدعة، والأجدر بنا ألا نصدق شيئاً.

لسبب ما تحكمنا الحيلة، منذ بدأ الانسان اكتشاف ذاته، ثم تجاوزها للتواصل مع الآخر، بدأت حربه النفسية بالنضوج وأخذ صراعه مع ذاته يعظم، كان عليه أن يتوازن بينما داخله مليء بصراعات حية، وليحمي وجوده راح يحتال على نفسه ليقيها من شرورها، ويتصدى لهزائمه، فالهزيمة باب واحد؛ أن ترى الحقيقة كما هي، نحن ننتصر على الحياة بانتصارنا عل أنفسنا. هكذا بنى الإنسان منا كائناً يدافع عن نفسه من هجمات الحياة بالحيلة، وسماها علماء ميكانيزمات الدفاع، ولفرط قسوة الحقيقة المجردة صار يرى في كل شيء الصورة الأقرب إلى قلبه، لكأن ثمة إجماع لدى الناس على تهذيب الحياة لتصبح ممكنة. تقول احدى الدراسات إنّ عقولنا تعمل باستمرار بوعي ودون وعي، على تجاهل الكثير من الأمور التي تكدر حياتنا وتسعى لتجميل العديد من المواقف والأشياء بفعل أنظمة أدمغتنا القادرة على استعمال الحيلة للدفاع عن حقنا المشروع في ممارسة الحياة.

لنكن واقعيين، نحن نمارس الحيلة طوال الوقت، فحتى العناوين التي تتصدر سبل وطرق ترويض المشكلات معظمها قائمة على فنون ممارسة الحيلة، وإن لم يتم الإشارة إلى الحيلة بصورة صريحة، ويسري الأمر ذاته على عواطفنا وعلاقة العمل مع الزملاء والمدراء، وبالتأكيد تبدأ من علاقة الشخص بنفسه، ولتستحق الحيلة تقديراً أكبر، مُنحت أسماءاً مرادفة كفن التأثير على الآخر وعلى الذات.

وبفن التأثير ذاته شرع حمورابي ٢٨٢ قانوناً تضمنت معظم جوانب الحياة حتى أنه كان أول من وضع حداً أدنى لأجور العمال، “في ذلك الوقت .. نادتني الآلهه، أنا حمورابي، الخادم الذي سرّت من أعماله، والذي كان عوناً لشعبه في الشدائد، والذي أفاء عليه الثروة والوفرة، أنا أمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء، وأرعى مصالح الخلق”. لا يمكنني إنكار قوة حمورابي وتفوقه وتاريخه الحافل، لكنه بسط نفوذه أيضاً بفعل ربط ذاته بالآلهة ليعطي شرعية أقوى وهو ما بدأ به شريعته، لعل الفارق بينه وبين غيره من الملوك في ذلك العصر كما يروى أنه وصف نفسه خليلاً للآلهة ولم يجعل من نفسه إلهاً، ثم عاد وأكد بحيلة نفسية أخرى على جبروته حين سنّ قانوناً جزائياً وحشياً الى حد بعيد، متبعاً نهج انشر الذعر لتحصل على ما تريد.

وبفن التأثير، أو الحيلة، أو المؤامرة، كما شئت أن تسميها، حيكت كبرى المكائد السياسية والحربية والاقتصادية، لا شيء منها طرح على طاولة الحقيقة المطلقة جميعها أخذت أشكالاً وأسماءاً أخرى، أحد الكتب الذي يروي تاريخ الصهيونية، ذكر كيف أنه في الوقت ذاته الذي كان يكتب فيه ماركس البيان الشيوعي تحت إشراف مجموعة تُسمى” النورانيين “، كان كارل ريتر يكتب النظرية المعادية للشيوعية تحت أشراف مجموعة أخرى من النورانيين زعماء الصهيونية ،بحيث يتسنى لرؤوس المؤامرة العالمية تفريق الأمم والدول لانقسامهم في معسكريين مختلفين، لما لا فالحيلة فن والحرب فن، ولم يعهد الكون يوماً عاش فيه بسلام.

كان استسلام اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية حتمياً حتى وإن رفضت إعلانه رسمياً وتجاهلت قرار مؤتمر بوتسدام، جميع التقارير والتحليلات السياسية تؤكد أنّ التسليم كان مسألة أيام لا أكثر، لكنه كان حجة لاستعراض أسلحة أمريكا الهمجمية وقدرتها على الدمار الشامل والسريع أمام ستالين الذي كان يطمح بأن يمتلك قنبلة ذرية كالولايات المتحدة، واستعراضها أمام العالم أجمع، حتى وإن كانت تكلفة هذا الاستعراض الهمجي أكثر من مئتي ألف قتيل مدني. وهذا ليس بالشيء الغريب فحرب تحرير العراق من الدكتاتورية كما سمتها أمريكا، هي ذاتها التي حولت العراق الى ما نشهده اليوم، ولم تكن إلا حرب إبادة وتشويه لحضارة تعود الى آلاف السنين من أجل الحصول على النفط وتفكيك المجتمع العراقي ونشر المنظمات الإرهابية.

لم يضحكني خبر مفاده أن شرطياً تايلندياً يتنكر بزي ديناصور من أجل تنظيم حركة السير بعد أن شعر أن هذه الطريقة المبتكرة جعلت المارة والسائقين أكثر انضباطاً، أصبحنا نبتكر الحيلة وننصاع لها، القوانين وحدها لا تكفي، لا شيء بإمكانه أن يضبطنا سوى الحيلة، حتى أني أصبحت على يقين بأننا نؤدي أدوارنا حتى يتسنى للآخرين ممارسة حيلهم علينا إلى أن يأتي قرار افناء أثرنا لأن الحيلة قد تمت.

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *