الكاتب تحرضه الكلمة وتحاصره الفكرة

0 1

أكثر ما يخيف الكاتب،  فكرة خام تؤرقه وقد عجزت لغته عن صقلها، ذلك ما يجعل من الصفحة البيضاء الفارغة من أفكاره وكلماته ذعراً حقيقياً يفزعه كما لو أنه يواجه أخطر عدو على تخوم حضوره الأدبي، فهاجس الكتابة يجعله يضع الحياة والكتابة في ميزان تتساوى دفتيه، وقد ترجح في نفسه ولو سراً دفة الكتابة لأنها بالنسبة إليه وجوده الحقيقي. 

خلال الأسابيع الأخيرة من نهاية العام ، تكثر الإصدارات الأدبية الجديدة، الشعرية والروائية والنثرية،  ويضع  النشطاء من القراء خططهم للقراءة خلال العام الجديد ويعلنون تحدياتهم بإنهاء قراءة أعداد كبيرة من الكتب، حتى الجوائز الأدبية تعلن عن قوائمها أو تفتح أبوابها أمام مرشحين جدد لدورات العام الجديد، ووسط تلك الموجة العذبة التي تحدث نهاية كل عام يتساءل بعض القراء ممن خالفت بعض الأعمال توقعاتهم خاصة أولئك الذين ينتظرون كاتباً معيناً يتابعون جميع إصداراته، إن كان هناك سبب ملحّ لأن يُصدِر الكاتب كتاباً جديداً إن لم يكن لديه فكرة فريدة ومغايرة لإصداراته السابقة، فهل هناك ما يستوجب أن يصدر عملاً جديداً  ليبقى حاضراً بين الحضور، ويتجاهل بضعف عمله الجديد قوة أعماله السابقة وأثرها على قُرّائِه كما يتصورها محبوه وبأن الناقد الحقيقي الذي يمارس سلطته بالتقييم دون قيود تحده هو القارئ نفسه الذي قد ينقلب عليه أو يبقى درعه الحامي.

أجاد العبقري ماركيز التواصل مع القارئ أثناء كتابته لكلاسيكيتة الشهيرة “مئة عام من العزلة” فقد نشرت إحدى الجرائد الإسبانية تحقيقياً حول روايته الأسطورية ، قيل في التحقيق أن ماركيز بعدما قرأ روايته وهي شبه مكتملة شعر بأنه تورط بنصه كمغامرة تتصارع بها الكارثة مع السعادة، فانتابه ما يشبه التراجع وعدم الحماس لنشرها، فالكاتب حتماً متورط بنصه، ذلك ما دفعه وهو صحافي قبل أن يكون روائياً، إلى نشر سبعة فصول من روايته في صحف مختلفة، لتطمئن وساوسه وتهدأ ريبته، ونتيجة لنشره تلك الفصول تابع ماركيز آراء وانتقادات القراء باهتمام حتى أنه قام بنشر أحد الفصول في جريدة معظم قراؤها من النقاد والقراء المتمرسين، وأعاد ماركيز كتابة الفصول المنشورة في الصحف بحسب ما تلمسه من القراء فجاءت الرواية بتلك الواقعية والغرائبية التي جعلتها أيقونة أدبية فريدة، وأخذت تلك التعديلات عاماً إضافياً حتى ينتهي من كتابة روايته كما نُشرت بنَصها الأخير. 

قد تتوقف الكلمات فجأة وتصبح عسيرة الوجود، وقد تبقى حبيسة فكر الكاتب حتى يتأتى لها ظرفاً يناسبها لترسى أخيراً على صفحاته، وفي أتون هذا الركود تأبى الكلمات الهوادة  وتنزف الأفكار أحرفاً  ومفردات مشوشة من حصارها. يحدث أن يتعرض الكاتب لما يسمى“قفلة الكتابة” حين تهجر الكلمات صاحبها وترصد أثر بُعدِها بينما هي على شفا أصابعه تلوح بظلها وتثير رائحة الأفكار والأحداث، قريبة وبعيدة في الوقت ذاته، ذلك ما يجعل الكتابة عمل مضني لأن الكاتب يُدمن ممارسته للكتابة وصياغة مفرداته بذوقه وحسه الخاص  ويشغله هم أبحاثه ومشروعه الأدبي أو العلمي، وغالباً ينسحب القارئ إلى عالم النص الداخلي ليجد نفسه طرفاً من أطرافه، وقد يظهر للقارئ الذكي أثر صراعات الكاتب مع قسوة الكلمات وصلابتها، رغم ذلك  في معظم الأحيان يجد الكاتب لنفسه فسحة للكتابة حتى لو اختلفت عما هو معتاد فهذا جزء من ترويض الكلمة، لذلك نجد الكاتب يكتب في أنماط الكتابة المختلفة، قد يهرب من الرواية إلى الشعر أو يستظل بالنثر، فهو لا يملك إلا أن يكتب لأن الكتابة حاجة ملحة. 

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *