علمونا أبشع المعاني وأطلقوا عليها إسم “الشرف”، ونسوا أن يعلمونا أجملها وهو “الحب”..

0 0

العنف ليس رجلاً أو امرأة  ولن يتلاشى بحملات مناصرة المرأة وحقوقها التي تنظمها النساء لشعورهن المتزايد يوماً بعد يوم بالظلم، ولا بالموجات المضادة لها التي يطلقها الرجل للمطالبة بحقوقه هو الآخر أو الإشارة إلى ما يتلقاه بعض الرجال من تعنيف على أيدي زوجاتهم حتى لو كان بهدف السخرية الذكورية من الحملات النسائية أحياناً، فالأمر موجود بطبيعته نتيجة عنف راسخ ومتراكم لدى كليهما، حتى أن  الحال إنقلب إلى معركة من فريقين أحدهما من النساء ضد فريق الرجال المقابل.

 تأنيث المشكلة ليس حلاً بل تعزيزاً لها، ووضعها في إطار التعنيف الجسدي إنما هو تقليل من حجم العنف المخيف الذي يتعرض له الرجال والنساء في مجتمعاتنا، مع الإجماع والإتفاق على أن التعنيف ضد المرأة أوسع ويطال حقوقها القانونية غير المنصفة مقارنة بحقوق الرجل في أغلب البلدان العربية. العنف في الواقع ضد الإنسانية في المقام الأول تلك التي فقدت معناها وأضاعت دربها منذ زمن بعيد واستُبدلت بالوحشية.

فاطمة الجميلة الأردنية التي فقأ زوجها السفاح عينيها، ولم يترك لها شعاع خافت تلمح من خلاله أبناءها الذين ستبقى الحادثة تؤرق ذاكرتهم مهما حاول الزمن أن يعزلها بعيداً بحجة الوقت ليسعف طفولتهم النقية حتى تتعافى، تخطّت إطارها الأسري وخرجت إلى العلن لكنها بدأت تنطفئ وستُنسى مع الأيام أو يبرد فوران المجتمعات العربية التي شاركت معظمها في  لوم العنف والتعنيف وإحالة المسؤولية إلى سلطة الرجل الذكورية غير المبررة.

رغم أن حادثة فاطمة أيقظت دهشتنا وأرقتنا لأسابيع وفتحت أبواباً لا تنتهي من الأسئلة، ورغم أنني لا أجد عقوبة أشعر من خلالها بطيف العدل ولو زهيداً أمام ما حلّ بفاطمة وأبنائها، إلا أن هذا العنف الصادم لا يقتصر على هذه الحادثة  فهي ليست عرَضاً ينتهي بمعاقبة المجرم، فاطمة ليست مجرد حالة سمعنا بقصتها بفضل الإعلام، فجميعنا على يقين بأن ألف امرأة تففأ كرامتها كعيني فاطمة كل يوم وبعلم أقرب الناس إليهن وجميعهن محاصرين بتقاليد مجحفة منافية للكرامة ولا تقرب الإنسانية، بل ربما هذه الحالة زادت من مآسيهن وقيدت أنفاسهن خوفاً من التهديد حتى لا يصبح مصيرهن كمصير فاطمة. 

العنف أكبر من أن يُحصر في فكرة (المجتمع الذكوري) فالسلطة الذكورية هي نتيحة في نهاية الأمر نتلقى بسببها آلاف المآسي الإنسانية بشكل يومي وضحيتها ليست المرأة فقط بل الأبناء وبالتالي تنعكس سوداوية هذا التأثير الدرامي على المجتمع، العنف يبدأ منذ التنشئة، المرأة غالباً هي الضحية كصورة نمطية والطرف الآخر بالتأكيد الأقوى، حتى الأدب، المرجعية الثقافية، تناول المرأة  على مر السنين كجسد أو كضحية، بطولاتها لم تكن إلا استثناءات مهملة.

وفيما يتعلق بانتشار العنف، الأفلام والمسلسلات الرائجة عالمياً جميعها أصبحت تدعم العنف، وتجد له المبررات التي تجعلنا نتعاطف مع الأبطال ونجد لهم الأعذار، معظمها تروِّج للقتل ولتجارة المخدرات وللتحايل وتعطي لها مسوغات تشبه ظروفنا جميعاً، وينتهي المطاف بأن يخرج أبطالها أبطالاً فعلاً في نظر المشاهدين. 

مفهوم (الآخر) بحد ذاته أضحى مبتذلاً وغريباً وله ألوان وأطياف تُزرع فينا وقد تحصد شخصيات مجرمة، أو قد يتلافى أصحابها تلك المفاهيم بوعيهم ويتصدوا لها، من هو هذا الآخر الذي نعيش نحترس منه أو نتعامل معه بحذر أو عنف، الرجل هو الآخر بالنسبة للمرأة، والمرأة هي الآخر للرجل، فالجنس المختلف هو آخر،  كل من يتنتمي إلى دين هو (الآخر) بالنسبة إلى صاحب الدين المختلف، الأوطان والمدن كذلك (آخر)، الأفكار (آخر)، والعرق (آخر)، من هو هذا (الآخر) الذين نعيش إما لمحاربته أو في أحسن الأحوال  التعايش معه. ومن هنا يفتعل المجتمع بدوره تسويق فكرة تقبّل الآخر والتعايش معه، هذه المفاهيم تحمل في طيّاتها  إستعلاء لكل من لا يتطابق ولن أقول يتشابه معك في الظروف، العيب بدأ منذ زمن بعيد ونحتاج إلى أجيال وأجيال حتى نتعافى من إبتذال الإنسانية والإحترام ووضعهما في قوالب منفّرة، ذلك ما يجعل الحروب دائماً وأبداً طائفية وعرقية ودينية. 

أدت كثافة فكرة التعايش غير المدروسة إلى تعزيز االنظرة إلى الاختلاف وإعطائها حجماً أكبر وحوّلت ثقافة التعايش إلى ثقافة اللاتعايش وذلك بفعل الفقر والحال الاقتصادي اللّعين الذي جعل الإنسان يتآكل فكراً وثقافة، ففي حين تدعي المجتمعات حرصها على نشر التعايش، يفصلونا في المدارس في حصص الدين لاختلاف الدين، ويفصلون الذكور عن الإناث لاختلاف الهوية الجندرية، يميزون بين الذكي والغني والقوي لاختلاف مراكز القوة، كيف نتعايش وقد جعلتم الحياة بنظريات يتم تطبيق عكسها تماماً مثل حرب دائرة بسكون قد تصلنا بين الحين والآخر قنبلة مدوية كما حصل مع قنبلة عيني فاطمة. 

نحتاج إلى جيل يعرف حقوقه وأهمها حقه في الحياة باحترام، نعم الكيل طفح كما ورد في الشعارات التي خرجت لمناصرة فاطمة، طفح بكل شيء بالعنف والفقر والتمييز والجهل، أجمل ما في الثورات الحالية خاصة في العراق ولبنان أنها ثورات شبابية، الشباب، أولئك الذين ما عاد يعنيهم طائفة لا تُغني ولاتسمن ولا تطعم ولا تحمي بل وتقتل.  

علمونا أبشع المعاني وأطلقوا عليها إسم “الشرف”، ونسوا أن يعلمونا أجملها وهو “الحب”.. الأمر برمته في الواقع أنهم منذ البداية علمونا أبشع المعاني وأطلقوا عليها إسم “الشرف”، ونسوا أن يعلمونا أجملها وهو “الحب”..

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *