“لا تعذليه”

0 0

ليست الصحراء هي المسؤولة عن مقتل صاحب العينية الشهيرة ابن زريق البغدادي، أحياناً يقف الإبداع على أطراف حواف قاسية لكنها هشة وتُكسر. فلا يحتاج الموت إلى أسلحة ولا الحرب إلى الكثير من التكتيكات العسكرية  حتى تشن، فالموت قد يكون نتاج كلمة أو موقف وحيد، والحرب هي الحياة حين تسود غيومها الرمادية ، ثقيلة محملة بالفقر والعوز.

قيل عن ابن زريق بأنه شاعر الواحدة، وبأن قصيدته يتيمة، وبأنه عبقري بحكم خلود وديمومة صيت قصيدته إلى هذا اليوم، وبالرغم من اهتمام شعراء عصره بقصيدته فالكثير منهم عارضها أوكتب عنها أو حفظها، وبذلك تناقلها التاريخ وحفظها، حتى قال عنها ابن حزم الأندلسي “من تختم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو وتفقه للشافعي وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل الظرف”،  إلا أن موت ابن زريق وهو يحتضن كلماته الملتهبة تعكس ما هو أبعد من حب مات صاحبه وحفظه الشعر. 

ما قتله فعلاً وإتُّهم الحب واتُّهمت الصحراء الخاوية هو خيبة أمله بأن يجد تقديراً يليق ببلاغة شعره ومشقة سفره بُغية تيسير حياته بعدما عانى الفقر والحاجة ورحل تاركاً في بغداد حب روحه، زوجته التي حاولت استبقاءه لكنه عزم على الرحيل قاصداً الأندلس ليلتقي أميرها أبا الخير عبد الرحمن الأندلسي، وامتدحه بقصيدة ظن أن بها من البلاغة ما يسعفه لفك كربه، حتى حطّ الأمير من قدر قصيدته حين خالف توقعات ابن زريق وأعطاه عطاء قليلاً.

الفقر وعزمه على أن يجد حلاً في البُعد والسفر وقلة التقدير كلها أسباب جعلته يقصد الموت كمطاف أخير، أما الحب فقد كان خيط نجاته الوحيد الذي ما استطاع أن يصمد أمام القهر فمات ابن زريق متوسداً قصيدة تحمل حباً عظيماً، تركها إرثاً وحيداً لزوجته ولعشاق الشعر. 

كان الشعر آنذاك لغة وثروة، متجاوزاً بكثافته كونه وسيلة تعبير ينقل بها الشاعر بكلامه الموزون ما يعتريه من أحاسيس أو يعيشه من مواقف أو حتى كونه توثيقاً لعصر الشاعر وزمنه، به كان الحكام والأمراء يرسِّخون به عروشهم وسلطاتهم، فقد كان الشعراء إما الأمراء أنفسهم، أو شعراء يعيشون على مديح الأمراء والحكام أو يلوِّحون بهجائهم حين يستدعي الأمر. فأن يقدِّم الشاعر من غير الأمراء قصائده فهو يقدّم أثمن ما يملك وقد لا يملك سواه.

هذا الأمر لم يزل سائداً، مآسي الإبداع والآمال تتخذ عدداً لا ينتهي من الأشكال، وربما اليوم تصل إلى ذروتها، ليس بالضرورة أن يرحل شاعر ابتغاء مرضاة أمير مقابل فتات حياة، جرائم الإنسانية تتخد أسماء مختلفة وتكتسي صفات مشروعة. 

منذ أسابيع قرأت عن فاجعتين، حياة الإنسان وموته فيهما سيّان، إحداهما في البيرو حيث مات طالبان يعملان في إحدى المطاعم صعقاً بالكهرباء سبّبه عطل  في جهاز المشروبات ولم تتخذ الإدارة إجراءتها الفورية لاصلاحه فثمن المشروب الذي قد ييتوقف تقديمه بضع ساعات أغلى من حياة طالبي جامعة لم تتسع الدنيا لأحلامهما فرحلا وفي أحضانهما رسائل طويلة عن حقوق بسيطة لم يلحظ أحد أهميتها. الأمر ذاته حصل في مدينة عربية في وقت مقارب، حيث مات ثلاثة رجال  يعملون في البناء وكانوا قد رحلوا عن أوطانهم أملاً في عمل يحمي عائلاتهم وأطفالهم من الجوع، فأخذهم الموت بانهيار جدار استنادي كان من الممكن ألا يحدث لو اتخذ أصحاب المشروع تدابير تحترم أن العامل إنسان وليس حجر كذلك الركام الذي غطى جثثهم، وكأنهم رحلوا لينهار عليهم العالم ويضيعوا بين صخور الظروف وقسوتها.تلك القصص ليست سوى أمثلة يحدث منها الكثير على مدار الأيام.

وبالعودة إلى الأدباء، بعضهم يموت وبعضهم يشيخ ومنهم من يختار العيش في منفى رحيم يُبعدهم عن خيبات لا تليق بهم تصدياً منهم لهزائم روحية قد تصيبهم بمقتل من إهمال النقاد والإعلام وحتى القراء، ليعيشوا بعيداً في أحضان أوراقهم وأفكارهم الممتلئة بالحياة. 

يقال أن أمير الأندلس في قصة ابن زريق تأثر بموته، وبأنه لم يقصد الحط من قصيدته بل أراد اختبار طمعه، أهناك من أمراء أو أولياء الحياة وأصحاب النفوذ في أي ميدان اليوم، من يتأثر لموت أحد تخلّت روحه عن جسده بعد أن مات فيه الأمل.   

لا تعذلوا إذاً من هجر نفسه ودوافعه وما عاد يسعى لأن يُنجِز ما  كان يتوق إليه، فهناك أشياء ترحل ولا تعود وإن بقي أصحابها أحياء فهم يتجولون في متاهات الدنيا وهو آخر ما تبقى لهم. 

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *