حين يهاجم جيش الأموات الأحياء ..فلمن تكون الغلبة؟

0 0

هذه المرة الأولى التي أغير خطتي في كتابة مقال كان من المفترض أن يطرح موضوعاً معيناً وأنتقِل لآخر، عادة تسكنني الفكرة وتقيدني بأعجوبة ثم لا تنفك تمسكاً بذهني حتى أفرغها بالكتابة، لكن الفكرة الطارئة حفرت قنوات عميقة في روحي وراحت تتشعب حتى أصبحت ثقيلة جداً، فكان لا بد من تغيير مساري والتوقف عندها طويلاً لأفرغها في هذا المقال علّ تلك الندوب التي هاجمتني من شدة التفكير تلتئم ولو رويداً. 

منذ مدة أنهيت مشاهدة حلقات مسلسل الفانتازيا “صراع العروش”، لم أقف حينها رغم كثافة العمل وطروحاته الغزيرة وعلى امتداد أجزائه العديدة كما تعلمون إلا أمام فكرة واحدة وجدتها حساسة وتمسّنا جميعاً رغم شكلها الفانتازي كما تقتضي طبيعة العمل، لكنها أخذت بُعداً واقعياً   بالنسبة لي وإن كان فلسفياً بعض الشيء وراحت تتفجر الأسئلة وتزدحم كغيم ثقيل. ففي الحلقات الأخيرة من أحد أجزاء العمل، وبينما كان الصراع على مدار حلقاته يدور حول العرش والحُكم كما هو جليّ من عنوانه، لكن العرش الواحد والأهم الذي اتجهت معظم الممالك لحمايته أخيراً هو عرش “الحياة”، كان ذلك حين أيقن محاربو الممالك الخطر الطارئ الذي يواجههم جميعاً، عدوهم المشترك، “الموت” الذي أصبح يمتلك جيشاً جسوراً من الأموات، الفكرة هنا شرّعت أبواباً لا يمكن قفلها من الحقائق وراحت تتدفق كسيل من الطروحات والاستنتاجات بما يفوق فانتازية العمل نفسه. 

كانت قوة جيش الأموات كما رأيتها بأن أفراده قادرين على النهوض من موتهم الجديد كأموات محاربين والعودة إلى اللحظة التي كانوا عليها في مواجهة الأحياء وما يرتبط بها من زمان ومكان وعمر وقوة، بينما رغم الولادة والتكاثر بين الأحياء لن يستطيع هذا العالم الحي ولادة محارب قادر على المواجهة منذ لحظة ولادته، بل وحتى عند موت أحد من أفراد جيش الأحياء سيصبح ميت وبالتالي سينتقل تلقائياً بولائه وصفته الجديدة كميت إلى الجيش الآخر الذي كان قبل لحظة موته يحارب ضده من أجل الحياة. ومن هنا تأتي الفكرة الأخرى بأن الأحياء يقتلون الصورة الجديدة من أنفسهم، ثم من كان السبب وراء هذا التزايد الكبير في عدد الأموات ومعظمهم تحت سيادة الحروب وقضوا بفعل قتل الأحياء لهم؟ وهل أرسل الأحياء جزءاً منهم لينقلب عليهم ويواجههم بشراسة مخيفة يستحيل السيطرة عليها؟ 

اليوم في زمن الكورونا أستذكر الفكرة، فهي المرادف الواقعي الحالي والحيّ لفانتازيا جيش الأموات، هي ذلك الخطر الطارئ الذي تتساوى القوى والدول أمامه جميعاً، وكما حصل مع ملوك العروش في صراعهم، عقدنا هدنة لمصلحة التصدي لكورونا، هذا الفيروس المتجدد والمتغير بخباثه تماماً كما تخيل العمل غرابة جيش الأموات وسرعة تزايدهم،  تشبه هدنتا تلك الهدنة القصيرة بين أحياء سينقلبون إلى أموات إن لم يواجهوا مجتمعين أسطول الأموات، وإن كانت هدنة السّاسة وأصحاب القوى في عالمنا غير معلنة أو حتى غير مفعّلة بشكل تام رغم ذلك وللمرة الأولى على الأقل في هذا العصر يحدث نوع من الإجماع العام لمواجهة خطر يطال الجميع بالتساوي، جاء على شكل فيروس الأمل في الشفاء منه كبير، لكن خطره الفعلي بانتشاره، والدور الأكبر يقع على الأصحاء منا الذين لم يزرهم الفيروس، فحربهم الآن أن يبقوا أصحاء لتكون الغلبة لجيشهم. 

المفارقة في “صراع العروش” أن الحرب لم تنتهِ  ببقاء الأحياء كما أن إنتصارهم ليس إنتصاراً بالمعنى الحققي كما أراه، بل حتمية لا بد منها فما معنى أن ينتصر الموت وهناك حياة؟ فقد عادوا فور إنتهاء حربهم الطارئة أمام جيش الأموات من أجل صيد العروش واستملاكها، ولن تنته الحروب بعد كورونا لعلها أصبحت متلازمة حياة، في نهاية الأمر.. الموت والحياة هما العرشان الحقيقيان وهما القوتان المتناقضتان للبقاء و الفناء. 

لا يوجد تعليقات

شاركنا رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *